محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

54

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

طريق التساؤل عن الآليّات اللّغوية ، والمواقف العقلية ، والإكراهات المختلفة التي تجعل أي شكل من أشكال المعنى أو مضامينه عابرا ، أو ظرفيا ، أو صدفويا ، أو متحركا ، أو قابلا للبرهنة على صحته أو خطأه . أما التفسير ما قبل الحديث فيجهل هذا التجذير الفلسفي للتساؤل حول المعنى وآثار المعنى . كان علم العلاقات أو الدلالات البنيوية قد اعتقد بإمكانية استخدام نزعة تربوية أكثر كفاءة من أجل أن تجعل العدد الأكبر من الناس يشاطرونها الشكّ المنهجي . وهذا الشكّ هو الذي يمكّننا من ألا نعتبر آثار المعنى بمثابة المعنى الجوهراني والموثوق لمجرد أنه متجذّر في انطولوجيا معطاة داخل الوحي ، أو مؤسّسة عقلانيا داخل ميتافيزيقا ما ( أو نظام ميتافيزيقي معيّن ) . فالواقع أننا إذا ما تفحّصنا الأمور جيدا ، فإننا نرى أن هذا المعنى الموثوق ليس في الحقيقة إلّا عبارة عن آثار معنى متغيّرة طبقا للتفاعلات المعقدة الكائنة بين المؤلّف - الناطق للخطاب / النصّ ، وبين القارئ الذي وجّه إليه هذا الخطاب أو هذا النصّ ( انظر ما كتبناه عن « العقلانية المركزية أو المنطقية المركزية » ) « * » . فنحن لا نزال نتخبط في المناقشات التجريدية الدائرة حول موت المؤلّف وتلاشي مقاصده في المعنى بصفته ذاتا قادرة على الابداع « * * » . كما ولا نزال نتخبط في الفوضى المعنوية المعمّمة عن طريق تدفق الذاتيات الفوضوية للقرّاء الموجّهة إليهم هذه النصوص ( ولكن هل هي ذاتيات تستعصي السيطرة عليها ؟ ) . كما وأننا لا نزال نتخبط في المناقشات الدائرة حول سيادة إرادات القوة والهيمنة المرتبطة بالاستخدامات الأكثر شيوعا للخطاب المتعلّق بالبحث المتعقّل والحذر ( بالمعنى الأرسطوطاليسي لكلمة حذر ) . وأقصد به الخطاب المتواضع ، والتساؤلي ، والباحث

--> - مسيحية . . . إلخ . ولكننا في الواقع لا نعرف شيئا . إن كل ما نعرفه هو الصورة التقديسية المتوارثة عنه أبا عن جد منذ مئات السنين . ولكننا نجهل كليا المعرفة التاريخية به ، أي كيف تشكّل لأول مرة ، وضمن أية ظروف ، وما علاقته بالظروف التاريخية التي ظهر فيها ، إلخ . . كل هذا نجهله لأن معرفتنا به لا تاريخية . إنها معرفة عبادية ، طقسية وشعائرية بالدرجة الأولى . * النصّ الذي يشير إليه أركون وارد في كتابه : مقالات في الفكر الإسلامي ( بالفرنسية ) : : M . Arkon ، islamique pensee la sur Essais : In ، ( ( islamique pensee la dans religieuse verite et Logocentisme ) ) . 1984 ، Larose et Maisonneuve ، Paris * * يشير أركون هنا إلى الشعار الذي رفعته البنيوية ( وبخاصة فوكو ) حول موت المؤلّف ، أو عدم وجود مؤلف بالمعنى التقليدي المعطى لهذه الكلمة . فأي نص مخترق من قبل عدة مؤلّفين وليس من قبل مؤلّف واحد يضع اسمه عليه ، لأنه متأثر حتما بعدة نصوص سابقة عليه وليس مخلوقا من العدم . وكما رأينا ، هناك تداخلية نصّانية ، صريحة أو ضمنية ، في كل نصّ . وبالتالي ، فنحن نتوهم عندما نكتب نصا ما ونضع اسمنا عليه أننا خلقناه من العدم . . . في الواقع أننا كنا متأثّرين عندما كتبناه بكل ما كنا قد قرأناه سابقا ، وبكل ما يحيط بنا من كلام شفهي عن نفس الموضوع . وبالتالي ، فلا ينبغي أن نغترّ كثيرا بكلمة « مؤلّف » . فربما كان المؤلّف جماعيا لا فرديا . على هذا النحو بالغت البنيوية في حذف المؤلّف أو إعدامه .